السيد علي عاشور
116
موسوعة أهل البيت ( ع )
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ « 1 » . ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ « 2 » . كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ « 3 » . قال ابن عبّاس : قالت قريش : إنّ القرآن ليس من عند اللّه وإنّما يعلّمه بلعام ، وكان قينا بمكّة روميّا نصرانيّا ، وقال الضحّاك : أرادوا به سلمان ، وقال مجاهد : عبدا لبني الحضرميّ يقال له : يعيش ، فنزل : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ . . . « 4 » . وقال العلّامة الطباطبائيّ في تفسير الآية ما نصّه : قوله تعالى : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ افتراء آخر منهم على النّبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم وهو قولهم : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ وهو كما يلوّح إليه سياق اعتراضهم وما ورد في الجواب عنه أنّه كان هناك رجل أعجميّ غير فصيح في منطقه عنده شيء من معارف الأديان وأحاديث النبوّة ربّما لاقاه النبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم ، فاتّهموه بأنّه يأخذ ما يدّعيه وحيا منه والرجل هو الذي يعلّمه ، وهو الذي حكاه اللّه تعالى من قولهم : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ وفي القول إيجاز ، وتقديره : إنّما يعلّمه بشر وينسب ما تعلّمه منه إلى اللّه افتراء عليه ، وهو ظاهر . ومن المعلوم أنّ الجواب عنه بمجرّد أنّ لسان الرجل أعجميّ والقرآن عربيّ مبين لا يحسم مادّة الشبهة من أصلها ، لجواز أن يلقي إليه المطالب بلسانه الأعجميّ ثمّ يسبكها هو صلّى اللّه عليه واله وسلّم ببلاغة منطقه في قالب العربيّة الفصيحة ، بل هذا هو الأسبق إلى الذهن من قولهم : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ حيث عبّروا عن ذلك بالتعليم دون التلقين والإملاء ، والتعليم أقرب إلى المعاني منه إلى الألفاظ . وبذلك يظهر أنّ قوله : لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ - إلى قوله - مُبِينٌ ليس وحده جوابا عن شبهتهم ، بل ما يتلوه من الكلام إلى تمام آيتين من تمام الجواب . وملخّص الجواب مأخوذ من جميع الآيات الثلاث أنّ ما اتّهمتموه به أنّ بشرا يعلّمه ثمّ هو ينسبه إلى اللّه افتراء إن أردتم أنّه يعلّمه القرآن بلفظه بالتلقين عليه وأنّ القرآن كلامه لا كلام اللّه ، فجوابه أنّ هذا الرجل لسانه أعجميّ وهذا القرآن عربيّ مبين . وإن أردتم أنّ الرجل يعلّمه معاني القرآن واللفظ لا محالة للنبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم - وهو ينسبه إلى اللّه افتراء عليه ، فالجواب عنه أنّ الذي يتضمّنه القرآن معارف حقّة لا يرتاب ذو لبّ فيها وتضطرّ العقول إلى قبولها قد هدى اللّه النبيّ إليها ، فهو مؤمن بآيات الله ؛ إذ لو لم يكن مؤمنا لم يهده اللّه واللّه لا يهدي
--> ( 1 ) القمر : 1 ، 2 . ( 2 ) المدّثّر : 23 ، 24 . ( 3 ) الذاريات : 52 . ( 4 ) البحار : 18 / 199 / 31 .